السيد محمد باقر الصدر

129

الأسس المنطقية للإستقراء ( تراث الشهيد الصدر ج 2 )

الوجود ليس عنصراً من عناصر فكرتنا عن الأشياء ، أي أنّا لا نملك فكرة للوجود ؛ لأنّ ذلك يتطلّب أن نملك مسبقاً انطباعاً عن الوجود . ففكرتنا عن الشمس هي نفسها فكرتنا عن الشمس الموجودة ، فلا إضافة الوجود تزيد من تصوّرنا للشيء ، ولا حذفه ينقص من هذا التصوّر شيئاً . ونحن نميل إلى القول بأنّ بعض الأفكار ليست نسخاً لانطباعات مباشرة ، وإنّما هي مفاهيم انتزاعيّة عن أفكار أخرى ، هي بدورها نسخ لانطباعات مباشرة ، ومن تلك الأفكار فكرتنا عن الوجود . وسوف أترك الدخول في هذه النقطة وتوضيحها ، لعدم صلتها بالهدف الأساس من بحوث هذا الكتاب . وأمّا الأمر الثاني فنلاحظ عليه : أوّلًا : أنّ هناك أفكاراً تتمتّع بنفس الدرجة التي يحظى بها الاعتقاد - عادةً - من الحيويّة والنشاط والقوّة ، ورغم ذك لا تندرج في اعتقاداتنا . فمن هذا القبيل : الأفكار التي توجد في حالات الإحساس الكاذب : فإذا رأينا العصا في الماء فسوف نبصرها منكسرة ، وهذا الانطباع البصري تواكبه فكرة عن انكسار العصا ، وهذه الفكرة هي نسخة من ذلك الانطباع . وفي هذه الحالة نلاحظ بوضوح أنّ الانطباع البصري للعصا المنكسرة لا يختلف في حيويّته وقوّته عن أيّ انطباع حسّي آخر ، وأنّ الفكرة التي تواكب هذا الانطباع تستمدّ من حيويّته وقوّته ، كما تستمدّ كلّ فكرة من الانطباع الذي أنشأها . ورغم ذلك فإنّ هذه الفكرة ليست اعتقاداً ، بل نحن نعتقد على العكس بأنّ العصا ليست مكسورة بل مستقيمة . وقد تقول : إنّ اعتقادنا باستقامة العصا ، واكتشافنا لخطأ الصورة التي بدت لنا من خلال إدراكنا البصري لم يكن في الحقيقة إلّافكرة قد ارتبطت بانطباع آخر ، كالانطباع اللمسي مثلًا ؛ لأنّنا بلمس العصا نستطيع أن نكتشف خداع الحسّ